الثورة مستمرة حتى تحقيق مطالب الشعب
يبدو أن "أهل النظام"
لم يفهموا ما يجري من تحولّات كبرى في لبنان منذ إنطلاق ثورة الشعب في 17 تشرين أول.
إستقالت الحكومة رغم كل الخطوط الحمر والتهديدات وممارسات السلطة وأحزابها، وتستمر
الثورة مطالبةً بحكومة انتقالية من سياسيين مستقلّين عن أحزاب المحاصصة المذهبية
والسياسية. يمرّ اليوم الخامس والعشرين ولا زال أداء السلطة قاصراً عن مواجهة تحديات
المرحلة ما يؤكد صوابيّة الثورة عندما تطالب برحيل "الطبقة السياسية"
التي توالت على السلطة منذ إتفاق الطائف وحتى الآن لأنها أعجز من أن تجد الحلول
للخروج من الأزمة التي تسببت بها.
أهل النظام في حالةٍ من
الإرباك الواضح، فالمشاورات لتشكيل الحكومة تسير قبل الإستشارات النيابية الملزمة
لتكليف رئيس حكومة في تجاوز فاضح للصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية ومحاولة
مكشوفة للإلتفاف على مطالب الثورة بتشكيل حكومة لا تتمثل فيها أحزاب السلطة. هذا
المطلب المشروع لا يلاقي موافقةً من قبل أحزاب شمولية كحزب الله والتيار الوطني
الحر وحلفائهم الذين يسعون جاهدين لحماية التسوية الرئاسية التي أطاحت بها الثورة،
وموقفهم هذا يدينهم.
التلكوء بمعالجة الأزمة
المالية والاقتصادية الخانقة إنما يعكس محاولاتهم للضغط على الشعب ليتراجع عن
ثورته، ساعين في نفس الوقت الى تحميل الثورة مسؤولية الأزمة. إن هذه الأزمة هي
نتيجة لسياسات إقتصادية ومالية خاطئة استمرت منذ ثلاثين عاما واستفحلت خلال العقد
الأخير، فضخّمت الدين العام وسحبت السيولة من الأسواق لتجمّدها في السوق العقاري
والمالي فلجمت النمو الاقتصادي ولكنها أيضا ناتجة عن فساد كلّ من شارك في السلطة وإن
بشكل متفاوت وراكم الثروات وبشكل مفضوح. لا ضرورة لتعداد الانتهاكات والارتكابات المالية
فمجرّد العودة الى الخطابات النارية والاتهامات المتبادلة بينهم (لاسيما خلال
الحملات الانتخابية عام 2018)، بالاضافة الى ما تتداوله وسائل الاعلام الرصينة
والاعلام الاستقصائي، كفيلة بفضح كل من تناوب على السلطة وسرق مال الشعب.
وأخيراً نسمع بأن رئيس مجلس
النواب يسعى الى الدعوة لجلسة عامة ملتبسة في توقيتها وفي دستوريتها، تهدف الى إقرار
قوانين عالقة على جدول أعمالها لعل أخطرها هو قانون العفو العام الذي يتضمن عفواً
عن الجرائم المالية، وتغيب أخرى ذات أهمية كبيرة مثل قانون استقلالية القضاء. ماذا
يعني ذلك؟ ربما بدأ أهل النظام يستشعرون نتائج ما يجري من تحولات (؟) فبدأوا التحسب
لما هو آت في المستقبل؟ فهم يسعون بذلك للتهرب من المحاكمات التي، إن حصلت، ستنتهي
الى زجّهم في السجون بسبب فضائحهم.
الثورة مستمرة، وهي في كل مرة
تتعرّض فيها للهجوم أو لمحاولة قمعها تلجأ الى أشكال جديدة تردعهم وتحمي نفسها بها،
فالاعتصام بالساحات هوجم بشراسة من قبل "الرعاع" وتمّت محاولات عديدة لتجييش
"شوارع مضادة" فشلت ولكنها جوبهت بالانتقال الى إغلاق الطرقات للتأكيد
على استمرار الاضراب سلمياً، وجوبه التحريض على اغلاق الطرقات بالتوجه نحو المؤسسات
العامة ومن ثم خرج الطلاب والتلامذة بابهى صور الاحتجاج وحالياً تتم زيارات
المسؤولين المرتكبين الى بيوتهم في بيروت والمناطق واحدا واحدا لفضحهم أمام الرأي
العام. هذا مع العلم أن الجلسات الحوارية اليومية القيّمة حول مواضيع وقضايا تهم
الثورة والثوار وبمشاركة خبراء ومتخصين والثوار انفسهم مستمرة في ساحات الاعتصام
على امتداد الوطن.
هذه المرة ستكون للثورة
انعكاسات جذرية وعميقة في طبيعة النظام وفي أداء السلطة، فالمصالحة الوطنية التي أنجزت
على مستوى المجتمع بعد انتظار دام ثلاثين عاما، ووحدة صفوف الثوار رغم تنوع
انتماءاتهم السياسية والفكرية والثقافية في صراع قاسِ مع السلطة وخروج الكثيرين من
عباءة الزعيم او الحزب او الاقطاع التقليدي ستكون نتائجها ملموسة ومحققة.
الثورة متمسكة بمطلبها تشكيل
حكومة انتقالية من المستقلين عن أحزاب السلطة، تتألف من شخصيات تعيد ثقة المواطنات
والمواطني بالدولة وهذا مدخل لمعالجة كافة الاختلالات الاخرى. مهمة هذه الحكومة هي
بناء الدولة المدنية من خلال اقرار قانون موحد للاحوال الشخصية وانجاز كافة
الاجراءات الدستورية والتشريعية لفصل الدين عن الدولة وتنظيم انتخابات نيابية
ديمقراطية وفق المعايير الدولية وخارج القيد الطائفي لاعادة تكوين السلطة، يفترض
أن تنظم هذه الانتخابات هيئة وطنية مستقلة يتم تعيينها من الكفاءات والمستقلين.
مهمة الحكومة أيضا اقرار قانون استقلالية القضاء وتكريس مبدأ فصل السلطات واقرار
قانون المناقصات العمومية وقوانين مكافحة الفساد. وأيضا إتخاذ إجراءات لحماية
الاقتصاد الوطني من الانهيار من خلال التفاوض مع المصارف لتتحمل مسؤولياتها
الوطنية وتنفيذ سياسات تساهم في توزيع أعباء الخروج من الأزمة على المجتمع بشكل
عادل من بينها نظام ضريبي جديد.
هذه الاهداف بالاضافة الى
السلّة الاصلاحية التي تطالب بها الثورة من حماية الأملاك العمومية والبحرية من
الانتهاكات والاعتداءات وإقرار نظام للحماية الاجتماعية الشاملة واعادة هيكلة
القطاع العام وغيرها هي مطالب مشروعة لن تتنازل عنها ثورتنا.
الثورة مستمرة حتى رحيل
الفاسدين وتسمية حكومة انتقالية بهذه المواصفات ولتحقيق هذه الاهداف رغم كل التحديات
والصعوبات التي ستمر بها، فإرادة الشعب أقوى...

Comments
Post a Comment