أي خطة للتعافي يحتاجها لبنان؟ (حزيران 2022)


 نشرت في دورية شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية 


تناولت خطة الحكومة للتعافي والتي نُشرت مطلع العام الجاري عددا من القضايا فائقة الأهمية تساهم في إطلاق حوار مطلوب حول سبل وقف الانهيار والخروج من الازمة. بالمقابل، ركزت معظم الردود على أبرز الثغرات فيها لا سيما تلك المتعلقة بالتمويل، وهو أساسا موضوع شائك خاصة عند الغوص في تفاصيله. تنطلق الخطة من ضرورة تغطية الخسائر الفادحة التي تكبدتها المالية العامة ومصرف لبنان والمصارف التجارية الخاصة، فتسير باتجاه اعفاء الدولة من مسؤولياتها من خلال شطب ديونها، او جزء منها، وتحميل المواطنين، وبشكل أساسي المودعين، والمصارف العبء الأكبر لتلك الخسائر. كما تقترح الخطة التقشف في الانفاق العام من خلال وقف او تقليص دعم القطاعات الأساسية كالطاقة والنقل والصحة والتعليم والسلع الغذائية الأساسية وكذلك كتلة رواتب واجور العاملين في القطاع العام.

تتوقف هذه المقالة عند مسألتين أساسيتين، الأولى هي تمويل خطة التعافي والثانية تتعلق بالجهة التي تضعها. ومن ثم تدعو الى اعتماد المقاربة التنموية الشاملة كمدخل لوقف الانهيار ومعالجة الازمة.
ولكن، وقبل ذلك، لا بد من التذكير بمقالة سابقة نشرها موقع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية في أيار/مايو الماضي بعنوان: "حول اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي"[1]، تناولت البعد السياسي للازمة والذي يغيب عن أي خطة مقترحة، رغم ان الازمة تبدو في ظاهرها اقتصادية ومالية واجتماعية لكن الأسباب الأساسية الكامنة وراءها هي سياسية ومرتبطة أساسا بغياب الحوكمة الديمقراطية وتعطيل آليات المساءلة والمحاسبة والتمادي في الإفلات من العقاب. فالخسائر التي تفوق قيمتها الـ 80 مليار دولار أميركي حسب تقديرات خطة التعافي نفسها، ناتجة عن سوء استخدام الأمانة والابتعاد عن المعايير القانونية والشفافية نتيجة المحاصصة وعلاقات الزبائنية. وقد جاء في تقرير البنك الدولي في خريف العام 2021 حول الازمة في لبنان بانها "ازمة مفتعلة" وتتحمل مسؤوليتها الطبقة السياسية التي توالت على الحكم منذ عقود.
توزيع الخسائر
وبالعودة الى الخطة ومعالجة الخسائر فهي تطرح اشكاليتين بالغتي الأهمية، اما الأولى فتتعلق بتوزيع الخسائر، أي من يتحمل الخسائر، وهي التي نتجت أساسا عن سوء استخدام السلطة والنفوذ والامعان في نهب المال العام، وبالتالي ليس منطقيا ان تتوزع على المصارف والمودعين، بعد ان تحمل الشعب اللبناني ولا زال يتحمل تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية، قبل ان تتم محاسبة المسؤولين المباشرين عنها. لذلك لا بد من اللجوء الى الأدوات التي توفرها دولة القانون من خلال احترام الدستور وإقرار وتطبيق القوانين الإصلاحية خاصة قانون اصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته بالإضافة الى قوانين مكافحة الفساد كالإثراء غير المشروع والسرية المصرفية والتدقيق في حسابات مصرف لبنان والمصارف التجارية والإدارات العامة لتحديد الخسائر والمسؤوليات واسترجاع الأموال المهربة الى الخارج. وهذا يتطلب إطلاق ورشة للإصلاح التشريعي والإداري والمالي لمعالجة الخراب الذي تسببت به الممارسات الزبائنية للسلطة السياسية في التوظيف وتوزيع المنافع العامة على المحاسيب.
اما الإشكالية الثانية فتتعلق بالجهة المناط بها اعداد الخطة، إذ من غير المنطقي ان تقر أي خطة بهذا الحجم، سيترتب عنها أعباء ضخمة على مختلف الفئات الاجتماعية وتحديدا الفئات الضعيفة والهشة، من دون التشاور مع أصحاب الحقوق والمشاركة الفعلية في تحديد وجهة توزيع الخسائر ووضع تصور لوقف الانهيار والخروج من الازمة. ان المطلوب هو الاتفاق على خطة وطنية يتم التفاوض على أساسها مع الجهات الدولية المانحة بما فيها صندوق النقد الدولي، بدل ان تعتمد خطة حكومية يضعها فريق وزاري يمثل "الكارتيلات" وأصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي والمصالح السياسية الفئوية وبعض الخبراء فتأتي لتعبر عن مصالحهم على حساب مصالح وحقوق الناس.
الرؤية الشاملة
ومن جهة ثانية، تغيب عن خطة التعافي المقاربة التنموية الشاملة التي يتم على أساسها تحديد أوجه الاتفاق الاجتماعي. ورغم ان الانفاق العام على القطاعات الاجتماعية كنسبة من الناتج المحلي يبلغ معدلات متدنية نسبيا مقارنة بالمعدلات الدولية، الا ان معظمه يذهب الى التعاقد مع مقدمي الخدمات في القطاع الخاص، بدل ان يتوجه نحو تعزيز جودة الخدمات في مؤسسات القطاع العام، لاسيما الصحة والتعليم والنقل المشترك والاتصالات. ان العجز في المالية العامة وانهيار سعر الصرف والاعتماد بشكل أساسي على استيراد السلع الأساسية كالأدوية والمواد الغذائية والمواد الاولية، سيزيد من أعباء المواطنين ويقلص من قدرة الدولة على تغطية الخدمات العامة ما سيزيد من مآسي المواطنين الاجتماعية ويعزز التفاوت والفقر والتهميش. فالنسب الصادرة عن المنظمات الدولية تفيد بان معدل الفقر المتعدد الابعاد في لبنان بلغ 82%[2] وان نسب البطالة قاربت الـ 40% خاصة عند الشباب علما ان نسبة العمل غير النظامي فاق الـ 60% (خارج قطاع الزراعة).
امام هذا الحجم من الانهيار الاجتماعي، تلجأ الحكومة اللبنانية الى الاستدانة لتنفيذ برامج شبكات الأمان الاجتماعي التي تستهدف الاسر الأكثر فقرا في الوقت الذي بات الذهاب الى التغطية الشاملة مسألة أكثر من ضرورية[3]. علما ان منظمة اليونسيف بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبالتشاور والتنسيق مع خبراء من المجتمع المدني اللبناني اعدت خطة وطنية تتضمن تصورا لـ "نظام الحماية الاجتماعية" يشمل المواطنين في مختلف فترات حياتهم منذ الولادة الى الشيخوخة وفي مختلف الظروف كما تقترح الخطة انشاء صندوق لحماية البطالة[4]. ذلك انطلاقا من المقاربة الحقوقية والتنموية الشاملة التي لا تعتبر ان الانفاق الاجتماعي هو عبءً لا بل هو استثمار في الرأسمال البشري وضمانة للتماسك الاجتماعي.
ان تخفيض التكاليف المعيشية من خلال تخفيض اعباء الخدمات العامة الأساسية كالكهرباء والماء النظيفة والنقل العام والاتصالات بالإضافة الى الطبابة والتعليم والوصول الى المواد الغذائية الأساسية والادوية تستعيض عن الحاجة الملحة لزيادة الأجور التي من شانها زيادة التضخم والاعباء على الخزينة العامة والاستثمارات الخاصة. وهذا الاستثمار في البنية التحتية الذي يؤدي الى تخفيض الاعباء المعيشية اليومية يساهم في الوقت نفسه بإعادة إطلاق الاقتصاد الوطني التنافسي والمستدام والمنتج على المديين المتوسط والبعيد.
للخروج من الازمة بات لبنان اليوم بأمس الحاجة الى عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار الى "المواطنة" ويوازن بين الحقوق والواجبات ويلغي علاقات الزبائنية وسياسة المحاسيب التي نسجتها السلطة السياسية بمكوناتها الحزبية والطائفية والميليشوية لتعزيز نفوذها وتأمين استمراريتها في السلطة ما ساهم بانتشار الفساد وعطل أدوات المساءلة والمحاسبة والافلات من العقاب واوصل البلاد الى الانهيار الذي تشهده حاليا. المطلوب هو عقد اجتماعي يحترم حقوق الانسان ويعزز آليات الحكم الديمقراطي ويبني الاقتصاد الوطني المنتج والتنافسي والمستدام ويحقق العدالة الاجتماعية من خلال تكافؤ الفرص بين المواطنين والتوزيع العادل للمداخيل.
وأخيرا ان وقف الانهيار في لبنان يتطلب مقاربة تنموية شاملة تشاركية وتضمينية تنطلق من معالجة البعد السياسي للازمة ويعزز الشفافية ويحمي الحريات العامة والخاصة ويحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويحافظ على البيئة والموارد الطبيعية وعلى حقوق الأجيال القادمة.


[1]  حول اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي

https://www.annd.org/ar/publications/details/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A

[2]  chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.unescwa.org/sites/default/files/news/docs/21-00634-_multidimentional_poverty_in_lebanon_-policy_brief_-_en.pdf

[3] https://projects.worldbank.org/en/projects-operations/projects-summary?lang=en&countrycode_exact=LB

[4]  https://unicbeirut.org/index.php/ar/node/3908

Comments

  1. https://annd.org/ar/publications/details/%D8%A3%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A7-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%85%D8%AF

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

نحو تجديد نبض الثورة (رسالة راس السنة 2020)

Lebanon in the Eye of the Storm

لبنان: ألآزمة المستفحلة والاصلاح المستحيل